الشيخ محمد هادي معرفة

155

تلخيص التمهيد

وحاز بعض هذه المصاحف مقاماً رفيعاً في المجتمع الإسلامي آنذاك ، فكان أهل الكوفة يقرأون على مصحف عبد اللَّه بن مسعود . وأهل البصرة يقرأون على مصحف أبي موسى الأشعري . وأهل الشام على مصحف ابيّ بن كعب . وأهل دمشق خاصَّة على مصحف المقداد بن الأسود . وفي رواية الكامل : إنَّ أهل حمص كانوا على قراءة المقداد « 1 » . أمد هذه المصاحف كان أمد هذه المصاحف قصيراً جدّاً ، انتهى بدور توحيد المصاحف على عهد عثمان ، فذهبت مصاحف الصحابة عرضة التمزيق والحرق . قال أنس بن مالك : أرسل عثمان إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يحرق « 2 » . نعم ، حظيت بعض هذه المصاحف عمراً أطول ، كالصُحف الَّتي كانت عند حفصة ، طلبها عثمان ليقابل بها نُسخ المصاحف ، فأبت أن تدفعها إليه حتّى عاهدها ليردَّنها عليها « 3 » ، ومن ثمَّ ردَّها وبقيت عندها حتّى توفّيت ، فأمر بها مروان فشقَّت . ويبدو من رواية أبي بكر بن أبي داود : أنَّ وُلد ابيّ بن كعب كانوا قد احتفظوا بنسخة من مصحف أبيهم بعيداً عن آخرين . قال : قدم أناس من العراق يريدون محمَّد بن أبي ، فطلبوا إليه أن يخرج لهم مصحف أبيه ! فقال : قد قبضه عثمان ، فألحُّوا عليه ولكن من غير جدوى ، الأمر الَّذي كان يدلّ على مبلغ خوفه من الحكم القائم ، فلم يخرجه للعراقيين « 4 » . وفي رواية الطبري : أنَّ ابن عبّاس دفع مصحفاً إلى أبي ثابت ، ووصفه بأنَّه على قراءة ابيّ بن كعب ، وبقي إلى أن انتقل إلى نصير بن أبي الأشعث الأسدي الكوفي ، فأتاه يحيى بن عيسى الفاخوري يوماً وقرأ فيه : « فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى » « 5 » الأمر الَّذي

--> ( 1 ) الكامل في التاريخ : ج 3 ص 55 ، وراجع البخاري : ج 6 ص 225 ، والمصاحف لابن أبي داود السجستاني : ص 11 - 14 ، والبرهان للزركشي : ج 1 ص 239 - 243 . ( 2 ) البخاري : ج 6 ص 226 . ( 3 ) مصاحف السجستاني : ص 9 . ( 4 ) المصدر : ص 25 . ( 5 ) تفسير الطبرسي : ج 5 ص 9 .